الأحد، 20 فبراير 2022

في حضرة أيوب طارش


 

ليوم الجمعة في البيت اليمني شيء يجمله، حتى وإن كنت خارج الوطن وبعيداً عن أهلك، كان مايميز يوم الجمعة عندي عن  باقي الأيام خارج اليمن، هو البخور العدني والمشاقر وصوت أيوب. 

البخور الذي يملأ المنزل وصوت أيوب الذي يصدح بالغناء، والمشاقر التي تحصل عليها أمي من جارتها، جميعها أشياء تنبه أنني سأحصل على جمعة يمنية، وتزيد هذه الرفاهية إن حظينا بقطعة هريسة قادمة من اليمن، هذا كله كان يروي حب الوطن في القلب  .

أيوب طارش الصوت اليمني الذي نزين به أيامنا، أعراسنا، أعيادنا، وجروحنا. دخل برهافته لقلوبنا حتى تملكها وتفنن في وصف الحالة التي يشعر بها المرء بأغانيه، غنى أيوب للوطن وللفرح والحزن والوجع وشوق الحبيب وحنين المكان حتى الأرض والزرع جعلهما صوت نداء للمغتربين بالعودة  في رائعته " ارجع لحولك كم دعاك تسقيه".

من قمة الفرح في زفته التي اشتهرت أعراسنا بها، حتى الحزن تجد المواساة الأيوبية ووصف ألم الحب :

مسكين ياناس من قالوا حبيبه عروس

 يمرض مرض القلب أما الموت محد يموت" ..

لكل منا في ذكرياته صوت أيوب يشاركه لحظاته المختزنه، فموسيقاه تلفت الإنتباه والدهشة في التصوير الإبداعي لها، وخلق هالة جمال مكتملة من حيث الكلمات والألحان والصوت الذي يعطي كل شعور طبقته الخاصة ..

لست مختصة في التعمق لتفاصيل الغناء وطبقاته لكني مستمعة جيدة جدا ومحبة لأيوبنا الذي ننتمي لصوته كيمنيين وكتعزيين فهو لا يقل عن أي فنان دخل التاريخ من أوسع أبوابه..

من يستمع لأيوب بشكل جيد، يلاحظ أنه يختارأغانيه وألحانها وكلماته بدقة، ويلاحظ التساؤلات التي يطلقها أيوب لتعبر عن موضوعاته، وهذه التساؤلات الموسيقية هي التي تجذبني دائما في أي مقطع غنائي فهي تحمل معاني جمالية تشدك نحوها وتفتش لها عن اجابات موسيقية تناسبها  !

 

" هل عادك حبيب " ؟ هكذا تساءل أيوب في أغنيته بلهجته التعزية، التي كان السائل فيها " قلبي يسائلني عليك"، ويصف حاله " أشرب ندى عيني، وأقتات الألم " و" أمشي بلا دنيا وأحيا في عدم " فهل للنسيان فرصة هنا ؟ يرد أيوب : " لا يقدر النسيان ينسيني ولا أرضي بديل ". وفي حالة الرجوع: " بك أنت مش بالنجم أو القمر، بك أنت مش بالغيم أو قطر المطر، بك أنت مش بالفجر أو عطر الزهر، بك أنت لاقاني وواعدني القدر" .

إن لاحظت أيضاً وأنت تستمع لأغنياته تجد في أغلبها كان لحضور الروائح نصيب، وصف رائحة الحب وشذاه بالريحان في هذا الكوبليه :

وأنت من ريحنت أيامي

وقد أسقيت أزهاري شذاك ...

أمشي برياحني وألحاني وأسأل عنك أفواج النسيم

 وأضم  كل الزهر أشمك فيه وأحضن كل ريم "  

           من ريحانهُ لأغنيته بالله عليك وامسافر " التي أطلق فيها النداء بلهجته وهذا البيت الذي يصف حال انتظاره :

أمسيت أناجي القمر والناس جمعه رقود

أدعي لربي وأقول أيحين حبيبي يعود ؟

كانت للأغنية هذه وقع في نفوس أمهاتنا اللاتي انتظرن عودة أزواجهن حين أكلت الغربة أيامهم وأطالت موعد الرجوع، ذلك مايميز أيوب أنه حين  يغني فهو يكون حاضراً بصوته في الحالة التي تحتاج الغناء عنها  .

ومابين الحضور والغياب الذي يمتد مسافات بعيدة تصل المعناة بالحبيب ليطرب بها أيوب بهذا الجمال :

ماقيمة الأيام بعد هواك تنقص أو تزيد

فلقد أردت وكنت لي في العمر آخر ما أريد

يا آخر الألحان في وتري وخاتمة النشيد

يا من رحلت إلى بعيد

يا آخر الأشواق في سهري وفي قلبي العميد 

يا آخر الأوراق في زهري تساقط في الجليد

يا آخر الإشراق في عمري وآخر وجه عيد 

يا من رحلت إلى بعيد"

للوطن وللثورة والحرية غناء  أيوب كان حاضراً لم يفته أن يعطي لبلاده نشيداً وطنياً ، ولثورة الأجداد رفع صوته متغنياً بسبتمبر، يتزين هذا الشهر بصوته مذكرا بالتحرير والنضال، فأغنيته ٢٦ سبتمبرلم تكن مجرد أغنية كانت شاهد على أحداث التغيير ، تهبك تفاصيل الفرحة المعاشة مهما قدم تاريخها،

فقد كانت كما غنا : 

" ثورة تمضي بإيمان على مر الزمان "


أحببت أيوب منذ الصغر، من أبي الذي كان يستمع له يومياً في سيارته، من أمي التي كلما سمعت صوته بكت اشتياقاً لأهلها، من فرحتنا التي امتد بها صوته في زفاف أختي، من جدتي التي رددت دوماً كلماته وهي تتشقر بحبه  .

أيوب الهيمان الصابر صبر أيوب، الغريب الجوال، العاشق والمسافر العائد، المطر وندى الصبح، أيوب مشقر اليمن الذي يزينها. رغم ماقدمه أيوب طارش من مسيرة فنية امتدت سنوات طويلة رافقت فيها حالاتنا الزمنية إلا أنه مايزال لم يجد الاهتمام الكافي الذي يستحقه، وككل الأشياء الجميلة التي تتواجد في اليمن ويطالها الإهمال كان لأيوب نصيباً منه لكن يبقى بألحانه معجزة اليمن التي خرجت من تعز .

 


 

 

 

 

 

 

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق